((نبذة عن شاعر المنتبذ))

أحد, 08/13/2023 - 09:33

في عام 1360 من هجرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وفي الطرف الشرقي من منطة العقل كانت عقلة "التوأم" على موعد مع ميلاد كوكب من مجرة هذا العصر وشعلة من شموع الفكر والآداب والعقل والفطنة والكرم، والسؤدد، وسفين ماخر من رواد الحضارة، والقيم والدفاع عن المظلوم. مشعل عبقري من السهل الممتنع الممتع، زرع الله بين جوانحه حضارات الأمم وثقافات الشعوب شرقا ومغربا فاحتصنها عقلا واختزنها صدرا، ليغمر العالم بفيضه شعرا ونثر، ويرويه بمجلسه العامر تاريخا وثقافة وطرفة.

ذلك هو الأديب الألمعي، الشاعر، الروائي تحفة شنقيط الفخرية وهالتها البدرية: أحمدو ولد محمد المختار ولد عبد القادر الحسني الشنقيطي

نشأ وتربى يافعا ثاقبا في كنف والديه محمد المختار وأم الخير بنت أحمد عالم يرتوي منهما علما وتربية وسلوكا وأدبا، كما سقته وروته خالته الأدبية الصالحة عيشة بنت أحمد عالم مدامة الصبا شعرا وانهلته من أحسن القصص أدبا وسيرة وسريرة، فأثرت فيه وصنعت صباه فأصبح - كما يقول- ومضة من سراجها المنير، وقطرة من معينها السلسال.

أنشأ يقول الشعر بشقيه - الفصيح والشعبي- وهو في صباه وكان أول ما قاله من الحساني:

متوكل بالوكيل** ؤبكاف من لغن

ؤبيتي يرفد كيل** من رقيق المعن.

بعد أن نهل ولد عبد القادر من محظرة أبويه وذويه وارتشف الضرب من مختلف العلوم من حضرة الشيخ محمدو بن محمد الأمين بن لحظانا (الحفيد) تنقل في المحاظر المجاورة، فعب من محظرة الشيخ محمدو حامد بن ءالا وغيرها، ليشتد عوده وتتسع شقة عقله وفكره.

التحق ولد عبد القادر بالتعليم مبكرا وانخرط فيه، وله فيه ومعه ذكريات ونوادر علمية وتراثية وثقافية ثرة، إذا وعيتها عنه تكون لك كالبوابة المفضية إلى الثقافة الشنقيطية بأطيافها وخصوصياتها، وكم تمنيت أن يكتب عنها أو تكتب عنه، ففي ذاكرته من تلك المحطة مادة تراثية وثقافية دسمة نادرة!!

أفضت به مرحلة التعليم إلى اليساريين وهو في ذروة نشاطه وشبابه في سبعينات القرن الميلادي فانزرعت في قلبه روح الثورة، وحب الوطن والأمة، والنضال من أجل الإنسان والضعيف، ومقارعة الظلم وإيصال صيحة المظلوم، والثورة على الخرافة التي تجلت في حروفه الخالدة: (السفين، والأسماء المتغيرة والقبر المجهول) فقاتل على أكثر من جبهة، وعانا في سبيل ذلك التضييق والسجن والتعذيب فنزل ضيفا عند الدرك، وحل نزيلا بسجن"بيلا" صحبة زوجه المرحومة الراحلة السالكة بنت اسنيد وصبية لهما في المهد.

وحين خرج من السجن استخلص نفسه لخدمة التراث الشنقيطي والإسلامي وأصبح باحثا بالمعهد الموريتاني للمخطوطات فانهمك في جمع التراث في طول البلاد وعرضها وحدثني مرة بطرفة حدثت له في إحدى رحلاته تلك، وهي أنه بات - هو ورفقته- ذات ليلة بقرية في ضواحي تنبدغة وكان مضيفهم من الحي رجلا متعلما كريما وقورا يستمع إلى مذياعه، وكانت الإذاعة يومها تبث برنامجا أدبيا وصادف تلك الليلة أن اختار الصحفي رائعته:

في الجماهير تكمن المعجزات ** ومن الظلم تولد الحريات.

فإذا بالمضيف الكريم يحفظها ويستعذبها وينسبها إلى شاعر فلسطيني استشهد في المقاومة، فأخبره أحد الرفقة أنها لضيفك هذا واسمه: أحمدو بن عبد القادر، فذكر أنه يسمع به وبشعره ولكنه نفى أن تكون القصيدة له وأصر على رأيه!! ولم يتدخل أحمدو وفي الصباح غادروا وتركوه مصرا على رأيه واثقا منه.

عمل ولد عبد القادر بجامعة روبرت كارل الألمانية: Ruprecht-Karls-) وجمع كما هائلا من التراث والمخطوطات الموريتانية خلال تلك المحطة، وولدت روايتاه (الأسماء المتغيرة والقبر المجهول) هناك خارج الوطن، وكانت باكورة الرواية الموريتانية وقد طرح من خلالهما مشكل الهوية والثقافة والتحول، فهما مزيج من التحليل والتنوير والمعالجة الثقافية والنفسية والدينية والاجتماعية.....

***

شغلته قضايا الأمة وأخذت بمجامع لبه وهواجس خواطره، فأصبح أيقونة الصحراء التي لا تهدأ، وصوت الأمة الهادر الذي تتجاوب الأرجاء لصداه. صدح بمظالمها واستصرخ ذوي الأحلام والنهى فيها واستنهض الجماهير والشعوب، واستشرف فيها المعجزة وطلائع التحرير، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، فآمن وعمل على ضرورة وحدة الأمة ورص صفوفها ونبذ الخلاف، وتأفف على الشعر والدنيا باجمعها ما لم يسد التراحم والتعاطف بين الأشقاء وتلتحم فيها أعضاء الجسد، وجسد ذلك في شعره وعقله ووعيه في جوهرته المشهورة:

وادي الأحبة هلا كنت مرعانا** إن الحبيب حبيب حيث ما كانا

ويا أخا البعد هل تشفيك قافية ** تبوح بالروح أنفاسا وأشجانا.

هنا يختار ولد عبد القادر نزلا من ظلال النخيل جامعا مانعا للأحبة في المغرب العربي يفوح بشعره وظله، بعطره ومروجه، انطلاقا من إيمانه بضرورة وحدة الصف والحفاظ على البيضة، لكن الضيوف آثروا أن يتناولوا طعامهم أشتاتا ليئدوا الحلم في مهده!!

وفي ذلك الحلم الفردوسي في رائعته تلك لا يمكن أن ينقطع شريط الرؤيا دون النزوع إلى القضية الأم:

لو أن سيف أبي بكر ويوسف لم ** نغمده فينا تخطى اليوم ببسانا

فهو مع القدس وهي قضيته الأم التي لا تغيب عن الخاطر ولا تبرح طرف اللسان،،،،

ومن طريف حضور القضية في ذهنه أن أستاذا فلسطينيا - آثر السلامة على المقاومة وتوطن في شنقيط - أراد إحراجه بالاستدراك عليه في بيت من معجزته الشعرية المشهورة التي وجهها إلى جماهير الانتفاضة الفلسطينة:

في الجماهير تكمن المعجزات** ومن الظلم تولد الحريات

...

ونغني للموت بل ونراه** في سبيل الحياة هو الحياة

استدرك الأستاذ الفلسطيني قائلا:

الموت مؤنث فهلا قلت: "بل ونراها؟"

فأجابه ولد عبد القادر على طريق التورية: " الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم!!" استبعادا للحن اللغوي وإشارة إلى ترك الرجل لأرضه وقدسه فرقا من الموت!!

كما لا تغيب قضايا الأمة عن خاطره وناظره، ففي رحلة جوية ذات يوم تفاجأ ولد عبد القادر بشاشة الإرشاد في الطائرة ترسم الخريطة وتحدد مكانها فوق مدينة "جرزدة" البوسنية فهجيت الشاشة حشاشته وادكاره، ووجد نفسه يخاطب مدينة الأبطال البوسنية قائلا:

جرزدة ماذا ترى الأدمع** واعينك الزرق هل تشفع

وأين الربيع وسحر التلال** ودندنة البدر إذ يطلع

فقولي معي قبل موت الحروف** حوار الحضارة هل ينفع؟!

***

عبر ولد عبد القادر من بولنوار إلى بغداد في موكب النور باحثا انثروبولوجيا يتفحص الإنسان والمكان قادما من هضاب الجليد حاملا بين جوانحه لفائف التضميد لجناح الأمة المهيض، وقلبها الجريح المفتوح.

موكب النور هل ترى من بعيد** وجه مشتاقك الحزين العميد

أنا طيف وخاطر عربي ** لم يصافحك بعد موت الجدود

فما أبدعه حين يجعل نفسه طيفا لطيفا وخاطرا لبقا يعاود القلب من بعد دهر طال حقبا وامتد أجيالا، فجدير بهذا الطيف اللطيف، والخاطر الظريف أن يبش له:

.... أهلا وسهلا ** بعناق الحبيب بعد الصدود

وهي صورة شعرية فاقت بكثير صورة نزار قباني حين أراد العناق من قاسيون:

قادم من مدائن الريح وحدي** فاحتضني كالطفل ياقاسيون.

فالضيفان -وإن كانا لبقين، وكلاهما قادم من مدائن الريح- إلا أن الأول طيف والثاني طفل، والأول حذف الأداة والثاني ذكرها، والأول اكتفى بالعرض والإيماء والإحالة، والثاني صرح بقدومه ومكانه وطلب الاحتضان!!

وحين اعترضته سامقات المؤمنات ببغداد في شموخ وكبرياء ازدهى طربا وانتعش خاطره الشنقيطي العربي إلهاما واعتزازا برمال شنقيط الذهبية وافتتانا بقلائدها الشعرية:

أنا شنقيط هل سمعت بوحي ** من رمالي أو درة من عقود.

جئتك اليوم زائرا وشعوري ** باقة الفخر والوفا للعهود.

ولأن ولد عبد القادرا لم يكن شاعرا فحسب، بل كان عالما مؤرخا مفكرا صاحب قضية ورجل أمة قادما من الماضي مسافرا في الزمن، يبحث عن داثر من زمن تصرم، ورسما من اطلال دوارس، فسرعان ما أجهش واستبكى ووفق واستوقف واستخبر عن الرشيد وأيامه مطلقا كينونة أمة قد استوت وتمت لا تبحث عن اسم ولا خبر:

إيه بغداد، أين منا زمان ** كنت فيه وكان عهد الرشيد؟!.

مالذي أذبل الشموع لماذا ** لم نصنها وهل ترى من جديد؟!

وظل بعدها يتأرجح بين مرارة الواقع وحلاوة الذكريات.

****

كما عرج ولد عبد القادر بلبنان يهدهده الألم ويحدوه الأمل، يعلو بسفينه الموج الملتطم، ووقف في وجه شوارين العدو وروابينهم - عينا ساهرة- يحمل يمانيا مهاجريا، ونثر كنانة من نبل حسان حفاظا على روح القدس، وخوفا على ما بقي من آثار الرسل، وحوافر البراق،،،

عرح بلبنان واذر الدمع منسجما ** وابك الهموم ولا تستنهض الهمما

كما صرخ في وجه التنابلة وباعة القيم والأرض موبخا ممانعا ونافيا بالتأبيد على مذهب جار الله:

اخسأ جميل لن نرضي تنابلة** تهدي لشارون روح القدس مهتضما

هكذا ذرف ولد عبد القادر دموع الغيرة والثورة في محاريب لبنان وبين بيعها انهارا من ماء غير آسن امتزجت فيها دماء الشهداء بعبرات الثكالى والأيامى والرضع في قانا وصبرا وشاتيلا، ومارون الرأس وبنت اجبيل!! ورفع راية التحدي تحمل شحنة التاريخ ممزوجة بمرارة ظلم الواقع:

الأَرْز أعــمــق أطـنـابــا وأوردة ** ممـا يهـزهـزه الأذنــاب واللـؤمـا

وللصـنـوبـر أفـنــان مـقـدســة ** لدى الزمـان فلـم يحمـل لهـا هرمـا

سائـل "بنابرت"عـن عـكـا وهجمـتـه ** هـل عـاد منتصـرا أم عـاد منهزمـا؟

وقـف بحطيـن عيـن الدهـر ساهـرة ** في قلب حطيـن تحكـي قصـة الغرمـا

إن الـقـرون لياليـنـا تـعـد بـهــا** دين الحقـوق ونستقصـي الـذي ظلمـا

ولـن يظـل طليقـا مــن مصائـدنـا ** لو كـل قطـر غـدا لبنـان مضطرمـا

******

الصحراء في سنة ولد عبد القادر بحر طام لا ضفاف له يتدفق شلالا شعريا تارة، وطورا جدولا سحريا منسابا ضفتاه من روعة وجلال، يطل على حديقة غناء لا تهدأ نوافيرها. تنمو كروم حولها وظلال. الصحراء باختصار هي هو وهو شنقيط ! التحم بها واقتطع حشاشة روحه من نسناسة هبيبها ولفحات عواصفها وسمومها، وريدانة نسيمها الخلاب،،،،،

سلني عن الصحراء فهي حقيقتي** فأنا الجواب وما علي عتاب

روحي عواصفها ولفح هجبرها ** وأنا المساء نسيمها الخلاب.

وهج الأصيل على أديم تلالها البيضا نضار باللجين مذاب

مالحسن لولا فجرها ورمالها ** يتخاضبان فتسحر الألباب.

ما الشعر إن لم ينبجس من قلبها** شلاله المتدفق الغلاب.

يلبس جلبابا من سكينتها وتلبس سابغة من شعره وملامحه يستنشق منها السموم يحسبه شهدا، فهي سعداه وليلاه وميمونته لذلك اكتفى بالتغزل بها دون بقيتهن، لأنها في نظره أجملهن وأطهرهن، منها اكتسين الجلابيب وأقراطهن، واكستبن الجمال!!

من هنا أدرك هذا العبقري قيمتها واختط لها منزلا فسيحا بين جوانحه، وظل ولوعا يبحث عنها في سواد العيون، وعلى الشفاه المطبقات، ويستخبر عنها سحرة بابل.

حملها على كتفه إلى العالم، واحتضنها بين ذراعيه، وسقاها دموع الحزن والفرح معا، واستنطق الأرض واستدر الغمام وتأمل ملامح االرمال والعواصف حتى وقبت الشمس وغسق الليل، واستدعى الكميت وامتطى صهوة براقه يعلو به متون الجبال وقمم الروايى واعالي البراق، واستنهض الناي والتحرار وريشة الفن والكلمات البيض والسود وفاغو ....

كل ذلك من أجل الإجابة على مشكل الهوية والثقافة في هذه الصحراء المترامية!!

فهو آدم الطرح في روايتيه الأولى (الأسماء المتغيرة) والثانية بصفة أقوى واكثر تفصيلا (القبر المجهول)

****

كان زميله الأديب الراحل حماد بن احمد المنى الحسني البنعمري ذا ذائقة أدبية نادرة وكان لطيفا بليغا فكان رحمه الله يمازحه بلقب: "النبير!!" بالنون المشددة بعدها باء مشددة ممدودة بالإمالة الكبرى.

اتدرون ما النبير؟

النبير في المخيال الشعبي غول بحري سحري يظهر ساعة من نهار كل عشر سنين يبتلع ما على الضفاف والشواطئ وسطوح المحيط الذي ظهر عليه، والغاية من التشبيه هنا أن ولد عبد القادر -أستاذ الأجيال - لا يظهر شعره في كل مناسبة كسائر الشعراء، لكن قصيدته موسوية إذا ألقاها - ببغداد أو بيروت أو شنقيط- تبتلع وتلقف ما يأفكون!!