
شكل المؤتمر الصحفي الذي عقده رئيس الجمهورية، محمد ولد الشيخ الغزواني، مع ممثلي الصحافة الوطنية، مساء أمس الجمعة، حدثا سياسيا وإعلاميا استثنائيا، ليس فقط لأنه أعاد الرئيس إلى واجهة الحوار المباشر مع الإعلام المحلي، بل لأنه فتح المجال أمام تقييم أسلوب السلطة في التواصل مع الرأي العام، ومدى استعدادها للإجابة عن الأسئلة التي تشغل المواطنين.
ومنذ الإعلان عن تنظيم المؤتمر، كان من الواضح أن السؤال المتعلق بالمأموريات سيكون في صدارة اهتمامات الصحفيين، باعتباره الملف الأكثر حساسية في المشهد السياسي الموريتاني، وقد جاء هذا السؤال بالفعل في مستهل المؤتمر، من طرف الصحفي الشاب السالك ولد زيد.
غير أن الإجابة، وإن اتسمت بالهدوء والاتزان، لم تحسم الجدل حول الموضوع، فقد اعتبر الرئيس أن الحديث عن الموضوع سابق لأوانه، مؤكدا أنه لن يقدم إلا على ما ينسجم مع الدستور وإرادة الشعب، وهي صيغة سياسية مرنة، تمكن قراءتها في أكثر من اتجاه؛ فهي لا تتضمن إعلانا صريحا برفض أي تعديل دستوري مستقبلا، كما لا تمثل في الوقت ذاته تعبيرا صريحا عن نية للسعي إلى مأمورية ثالثة، وبهذا يبقى الملف مفتوحا أمام التأويلات، ويستمر الجدل الذي كان يمكن أن تحسمه إجابة أكثر وضوحا.
وكان من المتوقع أن يحمل المؤتمر رسالة سياسية مركزية، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، إلا أن مجريات اللقاء أثبتت أن الهدف لم يتجاوز عتبة الإجابة عن الأسئلة دون إطلاق مبادرات أو الإعلان عن توجهات جديدة، ولذلك خرج المؤتمر دون عنوان سياسي بارز يمكن اعتباره الرسالة الأساسية للرئاسة في هذه المرحلة.
وعلى المستوى التنظيمي، يفرض شكل المؤتمر بدوره بعض الملاحظات، فقد حضر عدد كبير من الصحفيين، بينما اقتصرت فرصة طرح الأسئلة على أربعة عشر صحفيا فقط، ورغم أن تنظيم المؤتمرات الصحفية يقتضي عادة مراعاة الوقت وضبط سير النقاش، فإن محدودية عدد المتدخلين وغياب العديد من الملفات الحيوية من قائمة الأسئلة يفتحان الباب أمام التساؤل حول معايير اختيار المشاركين وطبيعة الموضوعات التي أُثيرت خلال اللقاء.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن مجرد تنظيم هذا المؤتمر يمثل تطورا إيجابيا في علاقة مؤسسة الرئاسة بالصحافة الوطنية، خاصة بعد سنوات ساد فيها انطباع بأن التواصل المباشر مع الإعلام المحلي ظل محدودا مقارنة باللقاءات مع وسائل الإعلام الأجنبية، ومن شأن استمرار مثل هذه اللقاءات أن يعزز ثقافة الحوار ويقرب صانع القرار من الرأي العام.
ومن أبرز ما يلفت الانتباه خلال المؤتمر، هو مستوى الإحاطة الذي أظهره الرئيس بعدد من الملفات الوطنية، إذ استند في العديد من إجاباته إلى معطيات وأرقام دقيقة، عكست اطلاعه على تفاصيل العمل الحكومي، وقد شكل ذلك عنصرا إيجابيا لتصحيح نظرة البعض لمستوى حضور الرئيس، وأعطى انطباعا بأنه يتابع أداء القطاعات الحكومية عن قرب، خلافا لما يروج أحيانا في بعض النقاشات السياسية والإعلامية.
كما اتسمت إدارة الرئيس للحوار بالهدوء واللباقة واحترام الصحافة، حتى في بعض الحالات التي كانت الأسئلة فيها أكثر إحراجا، مثل أسئلة الصحفي الهيبه ولد الشيخ سيداتي، وأسهم هذا الأسلوب في إضفاء طابع مؤسساتي على المؤتمر، وعكس صورة إيجابية عن مستوى العلاقة التي ينبغي أن تجمع السلطة التنفيذية بالإعلام.
وفي ملف الفساد، اعترف الرئيس بوجود فساد مالي وإداري، لكنه اختلف مع بعض التوصيفات المتعلقة بحجم انتشاره، مضيفا أن المجتمع يواجه كذلك أشكالا أخرى من الفساد، من بينها الفساد الأخلاقي والسياسي والمجتمعي، وهي مقاربة توسع دائرة النقاش حول الظاهرة، وتدعو إلى النظر إليها باعتبارها تحديا متعدد الأبعاد، لا يقتصر على الجانب المالي والإداري.
وفي المحصلة، يمكن القول إن المؤتمر الصحفي حقق هدفا مهما يتمثل في إعادة جسور التواصل بين رئيس الجمهورية والصحافة الوطنية، وهو مكسب في حد ذاته، غير أن القيمة الحقيقية لهذا النوع من اللقاءات لا تقاس بمجرد انعقاده، وإنما بقدرته على تقديم رسائل واضحة، والإجابة عن الأسئلة التي تشغل الرأي العام، وإتاحة الفرصة أمام مختلف وسائل الإعلام لطرح القضايا الوطنية بكل حرية ومهنية.
و إذا ما تحول هذا المؤتمر إلى تقليد دوري، أكثر انفتاحا وتنوعا في الأسئلة، فإنه سيكون إحدى أهم أدوات تعزيز الشفافية، وترسيخ الحق في الحصول على المعلومة، وتعميق الثقة بين مؤسسات الدولة والمواطنين، وهي غاية لا تقل أهمية عن مضمون الإجابات نفسها.


.jpg)



